خليل الصفدي
119
أعيان العصر وأعوان النصر
عنيدا مريدا ، قصيا من الخير بعيدا ، مبيرا مبيدا ، لو عاصر الحجّاج « 1 » لم يدعه يفرح بإمرة الكوفة ، ولا اشتهر دونه من قبح سجاياه الموصوفة ، ولم يكن قدّامه إلا جلوازا ، أو مارا في طريقه مجتازا ، أو مشّاء بنميم همّازا : ( الوافر ) حمّلتها قلبي الّذي * قد طار نحوك بالفرح دخل إلى السلطان ، ورافع كتاب حلب ، وجلب إليهم الويل والشؤم فيما جلب ، وسلّمهم السلطان إليه ، وعول في استصفاء أموالهم عليه ، فمزّق جلودهم بالسياط ، وأهلك البريء والمتهم عملا بالاحتياط ، فباع بعض الناس موجودهم ، وبعضهم باع مولوده ، وكانت نوبة دون نوبة هولاكو وشرّا منها ، وواقعة تحدّث الناس في سائر الأقطار عنها . ثم إنه نكب فيها ، وطلب إلى مصر ، وأخذ منحوسا ، وظن الناس أنه يكون فيها مرموسا ، فنجا وليته لا نجا ، ووجد بين الأسنة مخرجا . ثم إن السلطان ندبه لشد الجهات ، فسد الجهات على من تنفس ، ووصل شره حتى إلى الجواري الكنس ، وأساء إلى من اصطنعه من تلك الورطة ، وأخرجه من مصر بعد أي ضغطة ، فولاه السلطان بمصر شد الدواوين بالقاهرة ، وتولى ذلك والناس أحياء فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [ النازعات : 14 ] ، ونوّع العذاب على المصادرين ، وابتدع من العقاب ما لا مرّ بذهن الواردين ولا الصادرين ، ثم إنه نكب بالقاهرة نكبة عظيمه ، وانفرطت منها حبات سعادته النظيمة . ( المتقارب ) إلى النّار يا ولد الزّانية * وهذا الهوي إلى الهاوية وقعت فيا بردها في القلوب * فيا ليتها كانت القاضيه ثم إنه جهّز إلى حلب ، وقدّر اللّه أنه منها انقلب ، فذاق فيها وبال أمره ، وأفاق من سكرة خمره ، وقاء ما كان أكل واتّخم ، وشكا وهو تحت العقوبة شكوى الجريح إلى العقبان والرخم ، ومنها قضى ، وأسفر الوجود بموته من الظلم وأضاء ، وكان هلاكه في سنة
--> ( 1 ) الحجّاج هو : الحجّاج بن يوسف الثقفي أبو محمد : قائد داهية ، سفاك للدماء ولد سنة 40 ه ، ونشأ في الطائف ( بالحجاز ) وانتقل إلي الشام ولحق بروج ابن زنباع نائب الملك بن مروان فكان في عديد شرطته حتى أصبح قائدا للجيش الذي قتل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه عندها ولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف ثم أضاف إليه العراق فبنى مدينه واسط بين الكوفة والبصرة ، أخباره كثيرة وقتلاه لا يحصيهم العد مات سنه 95 ه . ( انظر معجم البلدان : 8 / 382 ، ووفيات الأعيان : 1 / 123 ، والمسعودي : 2 / 103 - 119 ، وتهذيب التهذيب : 2 / 210 ) .